الجصاص
327
أحكام القرآن
فلما اتفق الجميع على أنه يسقط بمضي أيام النحر دل على أنه غير واجب ، إن كانت سائر الحقوق الواجبة في الأموال نحو الزكاة وصدقة الفطر والعشر ونحوها لا يسقطها مضي الأوقات . قوله تعالى : ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) إلى قوله : ( ملة أبيكم إبراهيم ) ، قيل : معناه جاهدوا في الله حق جهاده واتبعوا ملة أبيكم إبراهيم ، ولذلك نصب . وقال بعضهم : نصب لأنه أراد كملة أبيكم ، إلا أنه لما حذف الجار اتصل الاسم بالفعل فنصب . قال أبو بكر : وفي هذه الآية دلالة على أن علينا اتباع شريعة إبراهيم إلا ما ثبت نسخه على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم . وقيل : إنه إنما قال ملة أبيكم إبراهيم لأنها داخلة في ملة نبينا صلى الله عليه وسلم ، وإن كان المعنى أنه كملة أبيكم إبراهيم ، فإنه يعني أن الجهاد في الله حق جهاده كملة أبيكم إبراهيم عليه السلام لأنه جاهد في الله حق جهاده . وقال ابن عباس : ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) : " جاهدوا المشركين " ، وروي عن ابن عباس أيضا : " لا تخافوا في الله لومة لائم ، وهو الجهاد في الله حق جهاده " . وقال الضحاك : " يعني اعملوا بالحق لله عز وجل " . قوله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ، قال ابن عباس : " من ضيق " . وكذلك قال مجاهد . ويحتج به في كل ما اختلف فيه من الحوادث أن ما أدى إلى الضيق فهو منفي وما أوجب التوسعة فهو أولى ، وقد قيل : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) أنه من ضيق لا مخرج منه ، وذلك لأن منه ما يتخلص منه بالتوبة ومنه ما ترد به المظلمة ، فليس في دين الاسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من عقوبته . وقوله : ( ملة أبيكم إبراهيم ) الخطاب لجميع المسلمين ، وليس كلهم راجعا بنسبه إلى أولاد إبراهيم ، فروي عن الحسن أنه أراد أن حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد كما قال تعالى : ( وأزواجه أمهاتكم ) [ الأحزاب : 6 ] ، وفي بعض القراءات : " وهو أب لهم " . قوله تعالى : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) ، قال ابن عباس ومجاهد : " يعني أن الله سماكم المسلمين " ، وقيل إن إبراهيم سماكم المسلمين لقوله تعالى حاكيا عن إبراهيم : ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) [ البقرة : 128 ] . وقوله تعالى : ( من قبل وفي هذا ) ، قال مجاهد : " من قبل القرآن وفي القرآن " . وقوله تعالى : ( هو اجتباكم ) يدل على أنهم عدول مرضيون ، وفي ذلك بطلان طعن الطاعنين عليهم إذ كان الله لا يجتبي إلا أهل طاعته واتباع مرضاته ، وفي ذلك مدح للصحابة المخاطبين بذلك ودليل على طهارتهم .